والأمر الثاني - جهادهم، والجهاد بذل الجهد في مقاومة ضلالهم، وبيان الحق الذي يدعو إليه، والإصرار عليه، والجهاد كان في مكة بالصبر على الدعوة إلى الإيمان، والأذى في سبيلها، والاستهزاء والسخرية بها، وألا يني عن الإعلام بها لمن لم يكن يعلم، وقد حقق النبي وأصحابه ذلك في مكة، فقد صبروا وصابروا، وتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - للقبائل بعد أن ذهب إلى الطائف وردوه ردا منكرا، تعرض للقبائل في موسم الحج، حتى كان الأوس والخزرج من أهل يثرب، إذ وجدوا فيه منجاتهم مما هم فيه من عداء بينهم، وحرب مع اليهود، فهاجر إليهم، فكانوا له أنصارا، وكان الجهاد بالمنازلة بعد الجهاد بالمصابرة.
ووصف اللَّه تعالى المطلوب بأنه جهاد كبير، لأن المصابرة أمر عظيم، وبها قام المسلمون، وتكونت الخلية الأولى من أهل الوحدانية. وحملوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عبء الجهاد في دوره الثاني، وكان الجهاد كبيرا؛ لأنه كان في كل أدوراه بالصبر، وقوله: (بِهِ) أي القرآن ببيانه والتمسك به، فإنه في ذاته قوة، وإنه بهذا يشير إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيلها والمصابرة، وهو أمر كبير إلا على الخاشعين، وإن كبر الجهاد ليس بكثرة المقتولين، وإنما كبره يكون بالصبر عليه، وإرادة اللَّه تعالى فيه، وتحمل الأذى والرضا بالأذى، ما دام يوصل إلى الغاية، وهي أن تكون كلمة اللَّه تعالى هي العليا.
وقد ذكر سبحانه آياته في خلقه الدالة على قدرته القاهرة، وإبداعه الباهر، فقال عز من قائل:
(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53)