وكان جعفر ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - آخذ اللواء في بعض الغزوات بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضده حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء، ولذلك قيل له: جعفر الطيار، وهكذا شأن من هو صادق في دعواه فليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله تعالى هو المبتلي، لكن هذا العلم إذا لم يكن من مرتبة المشاهدات لا يحصل التخفيف التام، فحال السحرة كانت حال الشهود والجذبة، وكان حال عمر - رضي الله عنه - حين الإيمان كحال السحرة، وبالجملة إن الإيمان وسيلة الإحسان, فمن سعى في إصلاح حاله في باب الأعمال أوصله الله تعالى إلى ما أوصل إليه أرباب الأحوال، كما قال عليه السلام:"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم".
{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) }
فإن قلت: لم قال إبراهيم هنا في السؤال {مَا تَعْبُدُونَ} ، وقال في الصافات؛ {مَاذَا تَعْبُدُونَ} بزيادة (ذا) ، فما الفرق بين الموضعين؟
قلتُ: الفرق بينهما أنه لما وقع الجواب منهم هنا بقولهم: {نَعْبُدُ أَصْنَامًا} سألهم بـ {مَا} الموضوعة لمجرد الاستفهام، وهناك لما لم يجيبوه سألهم بـ {ماذا} مبالغة في توبيخهم، ولهذا زاد هناك في التوبيخ، فقال: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) } فذكر في كل سورة ما يناسب ما ذكر فيها، والله أعلم بأسرار كلامه.
{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) }
وإنما قالوا: {فَنَظَلُّ} ؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، أو معناه الدوام، وإنما لم يقتصروا على قولهم: {أَصْنَامًا} بل أطنبوا في الجواب بإظهار الفعل وعطف دوام عكوفهم على أصنافهم ابتهاجًا وافتخارًا بذلك، وصلة العكوف كلمة على، وإيراد اللام لإفادة معنى زائد، كأنهم قالوا: فنظل لأجلها مقبلين على عبادتها، ومستديرين حولها.
{الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) }
فإن قلت: لِمَ زاد {هُوَ} عقب {الَّذِي} في الإطعام والسقي؟