ومضى الكلام في النكوص عند قوله: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} [الأنفال: 48]
67 -قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: {بِهِ} تعود إلى الحرم، أو إلى البيت، أو إلى البلد مكة.
قال مجاهد: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} بالبلد مكة.
وقال أبو صالح: بالبيت.
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير.
قال قتادة: مستكبرين بالحرم، يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف.
ونحو هذا قال السدي، ومقاتل، وإبراهيم. واختاره الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، وأبو علي.
قال الفراء: {بِهِ} بالبيت العتيق، يقولون: نحن أهله.
وقال الزجاج: {بِهِ} بالبيت الحرام.
وقال ابن قتيبة: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي بالبيت العتيق، يفخرون ويقولون: نحن ولاته.
وقال أبو علي: مستكبرين بالبيت والحرم لأمنكم فيه، مع خوف سائر الناس في مواطنهم.
وعلى هذا فالكناية عن غير مذكور.
وقال ابن عباس - في رواية عطاء -: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} يريد بالقرآن.
وذكر أبو إسحاق هذا الوجه فقال: ويجوز أن تكون الهاء للكتاب، فيكون المعنى: فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين بالكتاب، أي: يحدث لكم بتلاوته عليكم استكبارًا.
والمعنى على هذا القول: مستكبرين بسبب القرآن أو الكتاب.
قوله: {سَامِرًا} السَّمر: حديث القوم بالليل. يقال: سمر يسمر سمرًا، فهو سأمر. ومنه الحديث:"جدب عمر السمر بعد العشاء".
وذكر أبو إسحاق اشتقاق السَّمر فقال: إنما سموا سمارا من السمر وهو ظل القمر، وكذلك السمرة في الألوان مشتقة من هذا. هذا كلامه.
والسمر عنده ظل القمر.
وقال الفراء: السمر كل ليلة ليس فيها قمر، ومنه قول العرب: لا أفعل ذلك السمر والقمر، أي: ما طلع القمر وما لم يطلع.
وجعل ابن أحمر السمر ليلاً فقال.
من دونهم إن جئتهم سمرًا ... حَيُّ حلالٌ لملمٌ عكرُ
أراد إنْ جئتهم ليلاً.