حكاية لما وقع من أمم الرسل، أَي: أنهم قطعوا أمر دينهم فجعلوه زُبُرًا، أي: قطعًا متعددة، وفرقوه فرقا مختلفة، كل جماعة تنتحل نحلة مخالفة للحق، بعد ما أُمروا بالاجتماع والاتحاد على ملة واحدة تجمع العقائد وأصول الأحكام.
وزُبُرًا - على هذا - جمع زُبْرة، وهي: القطعة، ويؤيد هذا قراءَة (زُبَرًا) بفتح الباء جمع زُبْرة، كغُرفة، وهي القطعة، فتلخص من هذا أَن زُبرَة تجمع على زبر بضم الباء وفتحها.
ويجوز أن يكون المعنى: أن أَتباع الأنبياء فرقوا دينهم بعد أنبيائهم، فآمنوا ببعض ما أُنزل عليهم، وكفروا بما سواه، اتباعا لأهوائهم، أَو أَنهم وضعوا كتبًا وألفوها ونسبوا تلك الضلالات إِلى الله - كما قاله ابن زيد - وعلى هذا يكون زُبُرًا جمع زبور بمعنى كتاب.
وقيل: أنهم فرقوا بين الكتب المنزلة، فأخذ كل منهم كتابًا آمنَ به، وكفر بما سواه.
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} : والمعنى كل فريق من هؤلاه المتحزبين الذين قطعوا دينهم فرحون بما عندهم من الدين الذي اختاروه وركنوا إليه؛ لاعتقادهم أنهم على الحق.
وبعد أن عرض القران الكريم على أسماع قريش أن جميع الديانات السماوية مجمعة على عقيدة واحدة هي التوحيد، وأن الله تعالى هو رب الجميع وأن أصول الشرائع واحدة - بعد هذا - أَمر سبحانه رسوله أن يتجاوز إلى أمدٍ عن غفلتهم وإهمالهم لهذه الحقائق، فقال تعالى:
54 - {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} :
والمعنى: فاترك - أيها النبي - هؤلاء على حالهم من الغفلة والضلال الذي لا ضلال بعده، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فقد بلَّغت الرسالة التي أمرت بتبليغها حق الأداء {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} .