فيرد الله - تعالى - عليهم بقوله (قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ) أي: ما لبثتم في الدنيا، (إِلَّا قَلِيلًا) أي: إلا وقتا قليلا (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) شيئا من العلم لأدركتم أن ما لبثتموه في الدنيا، هو قليل جدا بالنسبة إلى مكثكم في النار بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا.
فجواب (لو) محذوف، لدلالة الكلام عليه.
ولا يتعارض قولهم هنا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ مع آيات أخرى ذكرت بأنهم (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) وبأنهم (ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) كما في قوله - تعالى - (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) .
لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه، فبعضهم قال: لبثنا عشرا، وبعضهم قال:
(لبثنا يوما أو بعض يوم) وبعضهم أقسم بأنه ما لبث في الدنيا غير ساعة.
وهذا يدل على أن أهوال العذاب، قد أنستهم ما كانوا فيه في الدنيا من متاع، وما انغمسوا فيه من شهوات.
(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)
(لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) أي: لا دليل له على هذه العبادة، وليس لهذه الجملة الكريمة مفهوم مخالفة، بل هي صفة مطابقة للواقع، لأن كل عابد لغير الله، لا دليل له على هذه العبادة إطلاقا، إذ العبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده.
فذكر هذه الجملة لإقرار الواقع وتأكيده، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق.
وقوله (فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) تهديد شديد لمن يدعو مع الله - تعالى - إلها آخر. أي: من يفعل ذلك فسيلقى الحساب الشديد، والجزاء الرادع، من عند ربه - عز وجل - ، لأن عدالته قد اقتضت أن الكافرين به لا ينالون الفلاح، وإنما ينالون الخزي والخسران. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...