ثم قال - رحمه الله - وقد قرأ آخرون: والذين يأتون ما أتوا .. من الإتيان.
أي: يفعلون ما فعلوا وهم خائفون ...
والمعنى على القراءة الأولى - وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم - أظهر لأنه قال - بعد ذلك -: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقتصرين.
وجملة (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) حال من الفاعل في قوله - تعالى - يُؤْتُونَ.
وجملة (أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) تعليلية بتقدير اللام، وهي متعلقة بقوله: وَجِلَةٌ.
أي: وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون، فيحاسبهم على بواعث أقوالهم وأعمالهم، وهم - لقوة إيمانهم - يخشون التقصير في أي جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل - .
وقد جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازي - في نهاية الحسن، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والثانية: دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم، والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقنا الله - سبحانه - الوصول إليها.
(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ(70)
قوله تعالى {بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} إضراب عما يدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على ألسنة المشركين.
أي: ليس الأمر كما زعموا من أنه صلى الله عليه وسلم به جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت آباءهم الأولين، بل الأمر الصدق، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالحق الثابت الذي لا يحوم حوله باطل ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون للحق، لأنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم، وأهوائهم.
وقال - سبحانه -: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} لأن قلة من هؤلاء المشركين كانت تعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءهم بالحق، وتحب أن تدخل في الإسلام، ولكن حال بينهم وبين ذلك، الخوف من تعبير أقوامهم لهم بأنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم، كأبى طالب - مثلا - فإنه مع دفاعه عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقي على كفره.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : قوله {وَأَكْثَرُهُمْ} فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق؟