وأما ما روي في"الصحيح"عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثَ كَذبات ثنتين منه في ذات الله عزّ وجل قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} ."
وبيْنَا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فقال: من هذه؟ قال: أختي.
فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وأن هذا سألني فأخبرته أنككِ أختي فلا تكذبيني...
"وساق الحديث."
فمعناه أنه كذب في جوابه عن قول قومه: {أأنت فعلت هذا بآلهتنا} حيث قال: {بل فعله كبيرهم هذا} ، لأن (بل) إذا جاء بعد استفهام أفاد إبطال المستفهم عنه.
فقولهم: {أأنت فعلتَ هذا} سؤال عن كونه محطمَ الأصنام ، فلما قال: {بل} فقد نفى ذلك عن نفسه ، وهو نفي مخالف للواقع ولاعتقاده فهو كذب.
غير أن الكذب مذموم ومنهي عنه ويرخص فيه للضرورة مثل ما قاله إبراهيم ، فهذا الإضراب كان تمهيداً للحجة على نية أن يتضح لهم الحق بآخره.
ولذلك قال: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرّكم} الآية.
أما الإخبار بقوله {فعله كبيرهم هذا} فليس كذباً وإن كان مخالفاً للواقع ولاعتقاد المتكلم لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها ، كالكلام المعقب بشرط أو استثناء ، فإنه لما قصد تنبيههم على خطأ عبادتهم للأصنام مهدّ لذلك كلاماً هو جار على الفرض والتقدير فكأنه قال: لو كان هذا إلهاً لما رضي بالاعتداء على شركائه ، فلما حصل الاعتداء عليهم بمحضر كبيرهم تعين أن يكون هو الفاعلَ لذلك ، ثم ارتقى في الاستدلال بأن سلبَ الإلهية عن جميعهم بقوله {إن كانوا ينطقون} كما تقدم.
فالمراد من الحديث أنها كذبات في بادئ الأمر وأنها عند التأمل يظهر المقصود منها.