وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) .
يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم:"الملائكة بنات اللَّه"، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.
أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟ أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدرًا منكم، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20) ينزهون اللَّه ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.
وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعًا سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتعبهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلامًا كافيًا.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَيَدْمَغُهُ) أي: يبطله.
وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.
وقوله: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) ، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.
(وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضًا، (لَا يَفْتُرُونَ) والفتور: الإعياء أيضًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) .