ثم إنه سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدّد الآلهة ، فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله لفسدتا ، أي لبطلتا ، يعني السماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات ، قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة: إن"إلا"هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة ، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر فيه إعراب غير التي جاءت"إلا"بمعناها ، ومنه قول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقال الفراء: إن"إلا"هنا بمعنى سوى ، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا ، ووجه الفساد أن كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف ، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد {فسبحان الله رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان ، أي تنزّه عزّ وجلّ عما لا يليق به من ثبوت الشريك له ، وفيه إرشاد للعباد أن ينزّهوا الربّ سبحانه عما لا يليق به.
{لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوّة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره {وَهُمْ} أي: العباد {يُسْئَلُونَ} عما يفعلون أي: يسألهم الله عن ذلك لأنهم عبيده.
وقيل: إن المعنى: أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون.
قيل: والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلها.