وقوله تعالى: {يتخافتون بَيْنَهُمْ} أي يخفِضون أصواتَهم ويُخفونها لما يملأ صدورَهم من الرعب والهول، استئنافٌ ببيان ما يأتون وما يذرون حينئذ، أو حالٌ أخرى من المجرمين أي يقول بعضُهم لبعض بطريق المخافتة: {إِن لَّبِثْتُمْ} أي ما لبثتم في الدنيا {إِلاَّ عَشْراً} أي عشرَ ليالٍ استقصاراً لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدةَ الآخرة لتأسفهم عليها لمّا عاينوا الشدائدَ وأيقنوا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطارِ واتّباعِ الشهوات، أو في القبر وهو الأنسبُ بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعثَ الذي كانوا يُنكِرونه في الدنيا ويعُدّونه من قبيل المُحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافاً به وتحقيقاً لسرعة وقوعِه، كأنهم قالوا: قد بُعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدةً يسيرة، وإلا فحالُهم أفظعُ من أن تمكّنهم من الاشتغال بتذكر أيامِ النعمة والسرورِ واستقصارِها والتأسف عليها.
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} وهو مدةُ لبثهم {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعدلُهم رأياً أو عملاً {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} ونسبةُ هذا القولِ إلى أمثلهم استرجاحٌ منه تعالى له لكن لا لكونه أقربَ إلى الصدق بل لكونه أدلَّ على شدة الهول. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 6 صـ}