إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل ، وتعلم أنه كذب وتلفيق ، لكن مذا يفعلون وكبيرهم يأمرهم به ، بل ويُكرههم عليه ، ويلزمهم أنْ يُعلِّموا غيرهم ، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي يسعى إلى ترويجها ، فعليها يقوم مُلْكه وتُبْنى ألوهيته .
وقوله تعالى: {فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً} [طه: 70] فَرْق بين {فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} [الشعراء: 44] وهذا منهم عمل اختياري ، وبين {فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً} [طه: 70] : يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم ، كأن صَوْلة الحق فاجأتْ صحوة الفطرة ، فلم يملكوا إلا أنْ خرُّوا لله ساجدين ، فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور ، فقد فاجأهم الحق الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى ، لأنها ليستْ سِحْراً فهم أعلم الناس بالسحر .
ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع ؛ أُلقى السحرةُ ، قالوا ، آمنا . لتدل على أنهم كانوا يَداً واحدة لم يشذْ منهم واحد ، مما يدل على أنهم كانوا مكرهين مُسخَّرين .
كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل المرئي المشاهد للجميع {فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً} [طه: 70] ، ثم بالقول المسموع {قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى} [طه: 70] وفي آية أخرى: {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وَهَارُونَ} [الشعراء: 4748] .
ونعلم أن موسى عليه السلام هو الأصل ، ثم أُرسِل معه أخوه هارون ، ولما عرضَ القرآن موقف السحرة مع موسى حكى قولهم: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى} [طه: 70] وقولهم: {آمَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وَهَارُونَ} [الشعراء: 4748] .
لذلك كانت هذه المسألة مثارَ جَدَل من خصوم الإسلام ، يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟