وهذا إما لقصد توضيع موسى عليه السلام والهزء به لأنه عليه السلام لم يكن من التعذيب في شيء، وإما لأن إيمانهم لم يكن بزعمه عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبله عليه السلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على أنفسهم أيضاً، واختار أبو حيان أن المراد من الغير الذي أشار إليه الضمير رب موسى عز وجل الذي آمنوا به بقولهم: {امَنَّا بِرَبّ هارون موسى} [طه: 70] .
{وَلَتَعْلَمُنَّ} هنا معلق و {فِرْعَوْنَ أَشَدَّ} جملة استفهامية من مبتدأ وخبر في موضع نصب سادة مسد مفعوليه إن كان العلم على بابه أو في موضع مفعول واحد له إن كان بمعنى المعرفة.
ويجوز على هذا الوجه أن يكون {أَيُّنَا} مفعولاً وهو مبني على رأي سيبويه و {أَشَدَّ} خبر مبتدأ محذوف أي هو أشد.
والجملة صلة أي والعائد الصدر، و {عَذَاباً} تمييز.
وقد استغنى بذكره مع {أَشَدَّ} عن ذكره مع {أبقى} وهو مراد أيضاً.
واشتقاق أبقى من البقاء بمعنى الدوام.
وقيل: لا يبعد والله تعالى أعلم أن يكون من البقاء بمعنى العطاء فإن اللعين كان يعطي لمن يرضاه العطايا فيكون للآية شبه بقول نمروذ {أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] وهو في غاية البعد عند من له ذوق سليم.
ثم لا يخفى أن اللعين في غاية الوقاحة ونهاية الجلادة حيث أوعد وهدد وأبرق وأرعد مع قرب عهده بما شاهد من انقلاب العصا حية وما لها من الآثار الهائلة حتى أنها قصدت ابتلاع قبته فاستغاث بموسى عليه السلام ولا يبعد نحو ذلك من فاجر طاغ مثله. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 16 صـ}