وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا أي شيئا متروكا لا يعرف، ولا يذكر. والنسي هو الشيء الذي حقه أن يطرح وينسى لحقارته. قال ابن كثير: (فيه دليل على تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها. وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية) .
فَناداها جبريل أو عيسى مِنْ تَحْتِها إن كان عيسى فإنه خاطبها من تحت ذيلها، وإن كان جبريل فقد خاطبها من مكان منخفض عنها أَلَّا تَحْزَنِي أي لشدة ما لقيت، هذا تسلية لها في وحدتها وجوعها، واحتمالات كلام الناس عليها. قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أي جدولا صغيرا على القول الراجح، أو سيدا كريما على القول المرجوح
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي وخذي إليك يجذع النخلة، وحرّكيه تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي تمرا جَنِيًّا أي طريّا
فَكُلِي من التمر وَاشْرَبِي من الجدول. دلّ هذا على مناسبة التمر للنفساء وَقَرِّي عَيْناً أي بالولد الرضي، أي وطيبي نفسا بعيسى، وارفضي عنك ما أحزنك فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً. أي مهما رأيت من أحد فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا وإمساكا عن الكلام. وكان صوم الصمت مشروعا عندهم، ونسخ في شريعتنا، ولنا عودة إلى هذا الموضوع فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أي آدميا. قال ابن كثير: المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وقال النسفي: وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة.
وقد تسمى الإشارة كلاما وقولا. وقيل: كان وجوب الصمت بعد هذا الكلام، أو سوّغ لها هذا القدر بالنطق.
فَأَتَتْ بِهِ مريم بعيسى قَوْمَها تَحْمِلُهُ أي أقبلت نحوهم حاملة إياه. فلما رأوه معها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا. أي. أمرا عظيما عجيبا، والفريّ: القطع. أي أمرا قاطعا للعادة