{لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} : أي لكن الذين ظلموا أنفسهم في الدنيا في ضلال واضح بين، حيث أغْفلوا الاستماع والنظر، فاعتقدوا كون عيسى إلها معبودا مع أنه بشر مثلهم حملته أُمه كما حملتهم أُمهاتهم، وأكل وشرب واحتاج، ولكنهم في الآخرة يزولُ ضلالهم حين يسمعون الحق ويبصرون آياته، فيعترفون بأَنهم ظلموا أَنفسهم ظلما بينا باعتقادهم الفاسد في بنوة عيسى لله أو ألوهيته، وهيهات أن ينفعهم ذلك الاعتراف بعد فوات الأوان ...
39 - {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :
أَي وأنذر الظَّالمين أَيها النبي وخوِّفهم من يوم القيامة الذي يتحسّرون فيه على ما فرطوا في دنياهم، وذلك حين يقضى الله في أَمرهم بسوءِ المصير وخالد العذاب - أنذرهم في دنياهم
وخوفهم من ذلك وهم غارقون في غفلة عن سوء مصيرهم في هذا اليوم وحالهم أنهم لا يؤمنون. فلعلهم بهذا الإنذار يفيقون من غفلتهم، ويثوبون إِلى رشدهم، ويؤمنون بربهم وبمحمد نبيهم، فينجون من عذاب يوم الحسرة، إِن عذابه لأليم مقيم.
قال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمَّد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا دَخل أهلُ الجنة الجنة وأهلُ النارِ النار، يجاءُ بالموت كأنه كبش أَملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون ويقولون نعم. هذا الموت. قال: فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون ويقولون نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} وأَشار بيده، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك.
ومجيء الموت في هذه الصورة الحسية التي أبرزت فناءَه بعد أن كان يميت الناس، تبشير لأهل الجنة ببقائهم الدائم في نعيمهم، وتحزينٌ لأهل النار وتيئيسٌ لهم من مفارقة ما هم فيه من شقاء.