{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} : أي إني أمتنع اليوم امتناعًا قاطعًا عن تكليم أحد من البشر فرارًا من مجادلة السفهاء الذين ينكرون وجود ولد بدون أَب، ويلِحُّون في الجدل وإثارة الشكوك حولى، وهي بهذه الطريقة المثل تقطع أَلسنة الذين يحبون أَن تشيع الفاحشة بالثرثرة والاختلاق والإعراض عن سماع الحجة، وقالت: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} لأن صيامها لا يمنعها من مناجاة رَبها أو التحدث مع الملائكة إِن حدثوها، وقيل إن قوله: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا .... } ، الآية من كلام عيسى: لما قال لها لا تحزنى، قالت له: كيف لا أحزن وأنت معى، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذرى عند الناس؟ قال لها: أَنا أكفيك الكلام، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ... } الآية. قال ذلك عبد الرحمن بن زيد ووهب.
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }
المفردات:
{جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} : الفرى الأمر المختلق المصنوع. وقال الأخفش: فَريًّا: أَي عجيبًا.
{امْرَأَ سَوْءٍ} : السوءُ بالفتح والضم، اسم لكل ما ينزل بالإِنسان من كل شيءٍ يسوءُه، وقيل المضموم: الضرر والمفتوح الفساد {بَغِيًّا} : فاجرة. يقال بَغَتِ المرأة تبغى بِغاءً بالكسر فجَرت فهيَ بَغِي. {فِي الْمَهْدِ} : المهد هنا هو الموضع يهيأُ للصبى وَيُوَطأُ في رضاعه كالمِهاد. {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} : مطيعًا غير عَاقٍّ. {جَبَّارًا} : أي عاتيا يمتلئُ قلبه بالشدة.