الأمر الثاني: سلبي، وهو قول تعالى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) ، الجبار هو الظالم المتكبر المتطاول على الناس بالحق الذي يؤذي الضعفاء ويستعلي عليهم، وقد كان من نعمة اللَّه تعالى التي أنعم اللَّه تعالى على عيسى - عليه السلام - أنه لم يجعله جبارا، وقد وصف الجبار بأنه شقي مطرود من رحمة اللَّه، وقد كتبت عليه الشقوة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو أنه مبغض إلى الناس يتمنون به النازلات، ويتحينون له الفرض ليردوه، وهو يتوجس بنفسه من الناس وممن يحيطون به، فهو في شقاء دائم لنفرة الناس منه، فلا سعادة في نفسه وإن حسبه الناس سعيدا فهو شقي، ولذا قال:"من مشى مع ظالم فقد أجرم". ثم بين الغلام الزكي أنه يعيش في سلام، ولذا قال اللَّه عنه:
(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)
وفي هذا تقرير لأنه يعيش في أمن وقد ولد في أمن وأنه يموت في أمن، وفي هذا إشارة إلى أنه لن يقتله ولن يصلبه أحد، بل هو ولد آمنا، وعاش آمنا ومات آمنا؛ لأن السلام هو الأمن.
ونكرر ما لاحظناه، وهو أن ما جاء على لسان الغلام الطاهر هو ما سيكون له في المستقبل بالنسبة لزمان الإنسان.
هذا هو التعريف بعيسى - عليه السلام.
قال الله تعالى:
(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)
هذا بيان لعيسى - عليه السلام -، بينت الآيات فيه كيف حملت به أمه، وبينت أن الذي نفخ فيها روح القدس، وهو مخلوق من اللَّه تعالى، فيكون ما ينفخه مخلوقا أيضا، فيكون دعوى أنه اللَّه دعوى لَا أساس لها من الصحة، بل باطلة في ذاتها، وفيما اقترن بولادته فهو مخلوق كسائر المخلوقات، وإذا كان مخلوقا فهو محدَث، وليس بقديم، ولم ينشأ عن اللَّه نشوء العلة من المعلول، كما ينشأ المسبب عن السبب، بل خلقه وأبدعه مختارا مريدا، أنشأه من حيث لم يكن، لذا قال تعالى:
(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)