ثم يتحول السخط إلى تهكم مرير: {يا أخت هارون} النبي الذي تولى الهيكل هو وذريته من بعده والذي تنتسبين إليه بعبادتك وانقطاعك لخدمة الهيكل. فيا للمفارقة بين تلك النسبة التي تنتسبينها وذلك الفعل الذي تقارفينه! {ما كان أبوك أمرأ سوء ، وما كانت أمك بغياً} حتى تأتي بهذه الفعلة التي لا يأتيها إلا بنات آباء السوء والأمهات البغايا!
وتنفذ مريم وصية الطفل العجيب التي لقنها إياها:
{فأشارت إليه} .. فماذا نقول في العجب والغيظ الذي ساورهم وهم يرون عذراء تواجههم بطفل ؛ ثم تتبجح فتسخر ممن يستنكرون فعلتها فتصمت وتشير لهم إلى الطفل ليسألوه عن سرها!
{قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟} .
ولكن ها هي ذي الخارقة العجيبة تقع مرة أخرى:
{قال: إني عبد الله ، آتاني الكتاب ، وجعلني نبياً ، وجعلني مباركاً أين ما كنت ، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ، وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} .
وهكذا يعلن عيسى عليه السلام عبوديته لله. فليس هو ابنه كما تدعي فرقة. وليس هو إلهاً كما تدعي فرقة. وليس هو ثالث ثلاثة هم إله واحد وهم ثلاثة كما تدعي فرقة. ويعلن أن الله جعله نبياً ، لا ولداً ولا شريكاً. وبارك فيه ، وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته. والبر بوالدته والتواضع مع عشيرته. فله إذن حياة محدودة ذات أمد. وهو يموت ويبعث. وقد قدر الله له السلام والأمان والطمأنينة يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً..
والنص صريح هنا في موت عيسى وبعثه. وهو لا يحتمل تأويلاً في هذه الحقيقة ولا جدالاً.
ولا يزيد السياق القرآني شيئاً على هذا المشهد. لا يقول: كيف استقبل القوم هذه الخارقة. ولا ماذا كان بعدها من أمر مريم وابنها العجيب. ولا متى كانت نبوته التي أشار إليها وهو يقول: