والمعنى: أي: مما نقص عليك يا محمد، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، حين دعا ربه دعاءً خفيًا مستورًا عن أعين الناس، وإنما أخفى دعاءه، لأنه أدل على الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من لائمة الناس، على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة، وقصارى ذلك: أن في هذه السورة ذكر الرحمة التي رحم الله بها عبده زكريا، حين أسرَّ بدعائه إليه، ثم فصل كيفية دعائه بقوله: {قَالَ رَبِّ} استئناف وقع بيانًا للنداء؛ أي: قال زكريا: يا رب {إِنِّي وَهَنَ} وضعف {الْعَظْمُ} حالة كونه كائنًا {مِنِّي} فالجملة مفسرة لقوله: {نَادَى رَبَّهُ} يقال: وهن يهن وهنًا، إذا ضعف فهو واهن، وقرئ: بالحركات الثلاث، كما سيأتي، أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته، وإنما أسند الوهن إلى العظم، لأنه عمود بيت البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فهذا أصابه الضعف مع صلابته وقلة تأثره بالعلل .. أصاب سائر الأجزاء، وتساقطت قوته، ولأن أشد ما في الإنسان صلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، وأفرد العظم قصدًا إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام، وقال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس كما في"البغوي".
وقرأ الجمهور: {وَهَنَ} بفتح الهاء وقرأ الأعمش: بكسرها، وقرئ: بضمها لغاتٌ ثلاثٌ {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ} منِّي: حذف اكتفاءً بما سبق؛ أي: وابيضَّ الشعر مني. {شَيْبًا} ؛ أي: أخذ رأسي شمطًا، وقد صار مثل شواظ النار، شبّه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار، وانتشاره وفشوَّه في الشعر باشتعالها مبالغةً، وإشعارًا لشمول الشيب جميع الرأس، حتى لم يبق من السواد شيء، وجعل الشيب تمييزًا إيضاحًا، للمقصود، والأصل اشتعل شيب رأسي، فوزانه بالنسبة إلى الأصل وزان اشتعل بيته نارًا، بالنسبة إلى اشتعل النار في بيته.