أي وآتيناه رحمة عظيمة في قلبه، وشفقة على الناس ومحبة لهم، وآتيناه كذلك بركة عظيمة من عندنا، فجعلناه مباركا نفَّاعًا، معلمًا للخير وداعيا إِليه، وكان عظيم التقوى لله عز وجل، وتقدم أنه ما هم بمعصية، فضلا عن اكتسابها.
14 - {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} :
أَي وكان يحيى عليه السلام كثير الِبر والإحسان بوالديه، إِذ هما أقرب الناس إليه، وحقهما في الطاعة يلي حق الله عز وجل، ولم يكن متكبرا على عباد الله متعاليًا عليهم بل كان لين الجانب متواضعًا كريما مطيعًا لربه قدوة في المكارم، وهذه الصفات التي وصف الله بها يحيى عليه السلام، هي صفات المؤمنين الكاملين، الذين بلَّغهم الله تبارك وتعالى أَعلى درجات الصلاح والتقوى. فسبحانه وتعالى أَعطى وأثنى.
وبعد أن أَثنى الله على يحيى بهذه الصفات الكريمة، اتبعها السلامَ عليه فقال عز من قائل:
15 - {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} :
أَي: وأَمانٌ منا على يحيى يوم ولدَ - من أَن يناله الشيطان بما ينال به بنى آدم؛ ويوم يموت - من وحشة فراق الدنيا وهول القبر؛ ويوم يبعث حيا - من أَهوال يوم القيامة.
وفي قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} إشارة إِلى أَن البعث جسمانى وروحاني معا. لا روحانى فقط كما يزعم بعض الفلاسفة. أو للتنبيه على أَنه عليه السلام من الشهداء.
وقيل إن المراد بالسلام هنا التحية المتعارفة. قال ابن عطية: إن هذا هو الأظهر، والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن التي يكون فيها الجد في غاية الضعف والحاجة والفقر إلى الله عز وجل.
ذلك. ومما يعد من اللطائف النبوية ما رواه الطبرى وابن كثير عن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما السلام الْتَقَيَا - وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى: استغفر لي أَنت خير مني. فقال له عيسى: بل أَنت خير مني. سلمت على نفسى وسلم الله عليك ... انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...