قوله: (وَكَانَ تَقِيًّا) وعلى التقديرين يكون تذييلا مقررًا لمَنْطُوق ما قبله ومعنى
الجبار هُوَ الذي يعاقب عَلَى غضب نفسه لا عَلَى استحقاق الجاني ولا عَلَى وفق الشرع ومعنى
الذي جبر غيره عَلَى ما أراده لا يناسب هنا ولا يناسب أَيْضًا معنى الذي جبر حال غيره وأصلحه
بل لا يصح عصيًا بوزن المُبَالَغَة أي المبالغٍ في العصيان والمُبَالَغَة في النفي دون نفي المُبَالَغَة
لفساد الْمَعْنَى طريقه أنه لوحظ المُبَالَغَة أولا ثم النفي ثانيًا ولو عكس لعكس، وهذا أحد الْوُجُوه
الْمَذْكُورة في قَوْله تَعَالَى (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فقوله عاقًا أو عاصي أشار
إلى أن المُبَالَغَة في النفي دون نفي المُبَالَغَة واخْتيرَ صيغة المُبَالَغَة للمُبَالَغَة في انتفائه وليوافق قوله
تقيًا وبرًا. ولم ينبه المصنف معنى المُبَالَغَة في تفسيرهما لظهورها.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا(15)
(من الله) .
قوله: (من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم) وما ينال به بني آدم من الشَّيْطَان
حتى يصيح وهذا عام خص منه البعض؛ إذ مريم وعيسى عليهما السلام سالمان من ذلك كما
مر تفصيله في سورة آل عمران. وهذا يخالف ما قاله هناك وعن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"ما من"
مولود يولد إلا والشَّيْطَان يمسه حين يولد فيستهل صارخًا من مسه إلا مريم وابنها"وكلامه"
هنا بالعكس ففي كلامه خدشة من وَجْهَيْن: ولو حمل (سلام) عَلَى معنى التحيَّة دون السلامة
والأمان لاندفع تلك الخدشة.
قوله: (من عذاب القبر) إشَارَة إلَى وجه التَّعْبير هنا بالْمُضَارِع وما سبق بالْمَاضي لأن
سوق الْكَلَام بعد ولادته وقبل موته، والأظهر أن الْمُضَارِع لكون الموت مستقبلًا بالنظر إلَى
الولادة وإن كان ماضيًا بالنظر إلَى وقت النزول، ولما كان السلامة مقيدة بالأزمنة المعهودة
وبالأمور الْمَذْكُورة لا إشكال بقتله عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه سالم وقت الموت من عذاب القبر وإن لم
يكن آمنًا من القتل في يوم يموت ولو فسر السلام بالتحية المُتَعَارَفة والتشريف في أن يسلم
الله عليه في حال إكمال عجزه لا إشكال عن أصله بالمرة (من عذاب النَّار وهول الْقيَامَة) . انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 12/ 184 - 204} ...