ومعنى الآية: أي والذين يصدقون بما أنزل إليك من القرآن والوحي، أنه من عند الله تعالى، ويصدقون بما أنزل على الرسل من قبلك من سائر الكتب السماوية، أنها من عند الله سبحانه وتعالى، لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله. وقال ابن عباس: أي: يصدقون بما جئت به من الله تعالى، وبما جاء به من قبلك من الرسل، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءؤوا به من ربهم،
وبمجيء الدار الآخرة التي تتلو الدنيا مع ما فيها من البعث، والحشر والحساب،
والميزان، والجزاء، والجنة والنار. هم يوقنون؛ أي: يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان عليه أهل الكتاب من الشكوك والأوهام التي من جملتها: زعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأنّ النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ فقال فرقة منهم: يجري حالهم في التلذذ بالمطاعم، والمشارب، والمناكح على حسب مجراها في الدنيا، وقال آخرون: إنّ ذلك إنّما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام، ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه، فلا يتلذذون إلا بالنسيم، والأرواح العبقة، والسماع اللذيذ، والفرح والسرور. وفي بناء {يُوقِنُونَ} على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، فإنّ اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة، فضلا من الوصول إلى مرتبة اليقين. فدل التقديم على التخصيص، بأن إيقان من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلا ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب.