فكان في ذلك من حاله في سبيل الاعتبار شبهًا باطلاعة الله - جلَّ جلالُه - على أوليائه في
الجنة، إذ يقول لهم - جلَّ جلالُه -:"أرضيتم"فيقولون: ربا وما لنا لا نرضى وقد بيضت
وجوهنا، وأدخلتنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء برحمتك، وقد أجرتنا من النار؟!
فيقول لهم عز قوله:"تريدون شيئًا أزيدكم، سلوني أعطكم"فيسألونه الرضا، فيقول:
"رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، سلوني أزدكم"ثم يقول لهم - جلَّ جلالُه -:"أحللت"
عليكم رضاي فلا أسخط بعده عليكم أبدًا"ثم ينكشف بعده الحجاب فينظرون"
إليه فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه.
وفي أخرى:"فينكشف لهم عن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على"
قلب بشر"."
ينشأ السؤال في الدنيا بالهادية إلى منال الرضا في الآخرة، كما ينشأ العلم به
في الدنيا إلى رؤيته في الآخرة، وهو الوصول الأعلى كما ينشأ التذكر والدعاء إلى
المخاطبة والتكليم دون حجاب ولا ترجمان، كما ينشأ العلم بموجودات الدنيا من
سماء وأرض وأفلاك ونجوم ونبات وإنس وجان، وجميع ما خلق الله من شيء .
ثم العلم بملكوت السماوات والأرض وما بين ذلك، وما علا وما سفل، ثم
العلم بالحق الذي خلق الله ذلك كله به إلى موجودات الجنة في الدرجات العلا
منها، ثم إلى مشاهدة الحق المبين(يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)ثم إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر.
(فصل)
الوصول إليه - جلَّ جلالُه - في الدنيا هو بالعلم واليقين، وذلك قد يكون ابتداء من الله
جلَّ ذكره تنبيهًا للعبد وإكرامًا له، لكن المعهود من ذلك بالتذكر وعند عقيب الذكر
والفكر والتدبر واستعمال العبرة.
قال الله عز من قائل: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ أُولُو الْأَلْبَابِ) .
وقال عز قوله: (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) .
فلما أبصروا وعاينوا ما وصلوا إليه بإيمانهم قالوا: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ