تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى
مفهوم"الم"الحرف، وإن ذلك المفهوم بهذه الحروف آيات عليه كما تقدم، فإنه قد
جاء أن هذا القرآن أنزل ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا،
وذكر العزة كناية عن عزته على الأفهام لولا تنزيل الله - جلَّ جلالُه - إياه إلى قلب الرسول، ثم
إلى لسانه كما قال: (وَبِالحَقِّ أَنزلناه) أي: إلى بيت العزة (وَبِالحَقِّ نَزَلَ)
ثم قال: (وَنزلناه تَنزِيلاً) إليكم.
فيمكن أن تكون هذه الحروف المقطعة المعجمة من حروف ذلك الكتاب
المنزل إلى بيت العزة، فهي واسطة من حروف القلم العلي الذي هو اللوح
المحفوظ وبين حروفنا هذه، ويمكن أيضًا أن تكون حروف القلم العلي بنفسها ثم
تفصل إلى ما تفصل إليه.
ثم قال: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
إلى آخر المعنى.
وقال جل قوله: (حم(1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) . إلى آخر المعنى حيث وقع.
قوله - جلَّ جلالُه -: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) الريب: الشك، وقد يكون
الكذب، وهذا وصف جميع الكتابين مع اللوح المحفوظ والقرآن، غير أن هذا
القرآن قد ارتاب فيه أهل الكفر، ومن لا علم عنده والكتاب المبين ظاهره نسخته
للعيان فلا مرية فيه ولا شك، به اهتدى المتقون، ثم بالقرآن العزيز، فإنه من نظر في
القرآن طالبًا للعلم كان من المؤمنين، ومن زاد نظره وسمت به سمته إلى النظر في
نسخة الكتاب المبين كان من الموقنين.
ثم ينظر من الكتاب المبين إلى القرآن العزيز فيزداد إيمانًا، ثم ينظر منه إلى
الكتاب المبين فيزداد يقينًا إلى يقين حتى يشرف إلى معالم الصديقين وعلوم
المقربين، ويشرح صدره بالنور، ثم يضيء له ما بين يديه وما خلفه.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ(1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) .
فالبشرى هنا للقرآن، والهدى للكتابين: الكتاب المحفوظ والقرآن،