وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} واستعمل فيه"الرؤية تنبيهاً على ما تقدم ، والكلام فِي ترتيب الآيتين ونظمها صعب."
وذاك أنه إن كانت تفصيلاً للمتقين ، فالوجه أن يفصل ذلك بفصل لا يدخل أحد القسمين فِي الآخر ، نحو أن يقال: العرب بدوي وحضري ، وشاعر وغير شاعر.
أو تميمي وغير تميمي ، فأما أن يقال: شاعر وتميمي ، فلا يصح ، ومعلوم أن بعض ما ينطوي عليه أحد الآيتين داخل فِي جملة الأخرى.
وإن كان ذلك ليس بتفصيل ، وإنما هي صفات للمتقين ، ويكون ذكر بعض ذلك مخصصاً عن الجملة كذكر جبرائيل وميكائيل بعد الملائكة على سبيل التخصيص ، فالوجه: أن لا يعاد"الذين"ثانياً ، [ثم] قوله: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الآية: (5) - سورة البقرة.
[يجب أن يعلم هل هما صفتان لموصوفين أو لموصوف واحد] فيقال - وبالله التوفيق: إنه قد قيل: الآيتان - وإن كانتا عامتين فمعناهما خاص.
فالأولى أشير بها إلى الذين آمنوا عن الشرك ، والثانية إلى الذين آمنوا من أهل الكتاب - وهو قول ابن عباس - واستدل على تقوية ذلك بأنه كما صنف الكفار - بعد
ذلك - فجعلهم"مجاهداً"و"منافقاً"، كذلك صنف المؤمنين ، فجعلهم مؤمناً عن شرك ، ومؤمناً عن غير مخالف فِي النبوة.
فعلى هذا قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} كأنه قيل: هذا الكتاب هدى للمسلمين الذين هذا وصفهم.
ولأهل الكتاب الذين جمعوا بين الإيمان بك وبمن تقدمك.
وقد قيل فيه قول ثان: وهو أن الإيمان ضربان: ضرب يمكن أن يدرك جملتها بالعقل ، وإن لم يكن إدراك تفاصيله إلا بالشرع.
وذلك ثلاثة أشياء.
ذكرها فِي الآية المتقدمة: وهي أفضل ما يؤدي بالجوارح وهي الصلاة.
وأفضل ما يؤدي من الأملاك ، وهو الزكاة.
وذلك صفات المتقين.