ثم قال:"اعتقها فإنها مؤمنة"ويقال:"مؤمن"ويراده: أنه يعرف الأدلة الإقناعية التي يحصل معها سكون النفس ، وإياه عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة"، ويقال:"مؤمن"، ويعني به: أنه يسكن قلبه إلى الله من غير تلفت إلى شيء من عوارض الدنيا وإياه عنى الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية ، وبقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} و"الغيب": ما لا يقع تحت الحواس ، ولا تقتضيه بداية العقول ، وإنما يعلم إما بواسطة علم ما أو الاستشهاد به عليه ، وإما بخبر الصادق ، وهو الذي دفعه قوم ، فلزمهم اسم الإلحاد ، لأن الإلحاد: دفع أخبار الغيب ، وقول:"زر بأن": الغيب: هو القرآن.
وقول عطاء: إنه القدر: تمثيل لبعض ما هو غيب.
وليس ذلك بخلاف بينهم ، بل كل أشار إلى الغيب بمثال وكذا ما روى أبو جمعة"إنا كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا يا رسول الله: هل قوم أعظم أجرا منا ، آمنا بك واتبعناك."
قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين ،
فيؤمنون به ، ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم أجراً منكم"فتبين منه - عليه السلام - أن من بعده يحتاج إلى نظر أكثر من نظر الذين شاهدوه فقد كفوا كثيراً من أخبار الغيب."
وقوله:"بالغيب"فِي موضع المفعول.
كقوله: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} وقال بعضهم: معناه: يؤمنون إذا غابوا عنكم ، ولم يكونوا كالمنافقين الذين {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .
وقوى ما قاله بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} وقوله {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} ، قول الشاعر: