والذي يحفظ به الصحة فالغذاء والأطعمة ، وأما فِي الطب الديني فالذي يعاد به الصحة صقل العقل واستعماله فِي تدبر الدلالات ، وتعرف المعجزات ، ومعرفة النبوات.
والذي يحفظ به الصحة: تدبر الكتاب المنزل ، وتتبع سنن النبي المرسل.
فكما أن من لم يستفد الصحة فِي الطب البدني ، إذا تغذى ، كان ذلك ضرراً عليه ، ومتى أعاد صحته كان تناول الغداء عائداً بنفع إليه ، كذا من لم يستفد صحة عقله بتدبر الدلالات كان القرآن ضرراً عليه ، ومتى استعمل ذلك وتهذب فيه ، جلب بالاستماع إلى القرآن نفعاً إليه.
وعلى ذلك قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًاء} وقوله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} إلى قوله: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} وأما [التقوى] فهو: جعل النفس فِي وقاية مما يخاف.
هذا حقيقته.
ثم يسمى تارة"الخوف"التقوى.
والتقى: خوفاً على تسمية المقتضي باسم المقتضي والمقتضي باسم المقتضي وفي التعارف: حفظ النفس عن كل ما يؤثم.
ولها منازل: الأول: ترك المحظور.
وذلك لا يتم إلا بترك بعض المباح مما يليه.
ولذلك قال عليه السلام"من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه"وقيل: من
لم يجعل بينه وبين محارم الله ستراً من حلال ، فحقيق به أن يقع فيها.
فقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} أي: التاركين للمحظورات.
وقال {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} فجعل"المتقي"- فِي الآيتين - غير المصلح والمحسن.