ومثل هذا فِي ذكر نبذ تنبيها على نوعه قول ابن عباس - رضي الله عنهما فِي قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} أنه الماء الحار فِي الشتاء ، ولم يرد به أن النعيم ليس إلا هذا ، بل أشار إلى بعض ما هو نعيم تنبيها على سائره ، فكذلك أشار بهذه الحروف على ما يكتب منها ، وعلى ذلك ما رواه السدي عنه أن ذلك حروف إذا ركبت يحصل منها اسم الله.
وكذا ما روي عنه أنه قال: هي أقسام غير مخالف لهذا القول ، وذلك أن الأقسام الواردة فِي فواتح السور إنما هي بقسم وأجوبتها تنبيه عليها.
فيكون قوله:"ألم ذلك الكتاب جملة فِي تقدير مقسم بها."
وقوله:"لا ريب فيه"جوابها ، ويكن إقسامه بها تنبيهاً على عظم موقعها ، وعلى عجزنا عن معارضة كتابه المؤلف منها.
فإن قيل: لو كان قسماً لكان فيه حرف القسم.
قيل: إن حرف القسم يحتاج إليه إذا كان المقسم به مجروراً.
فأما إذا
كان مرفوعاً نحو و"أيم الله ، أو منصوباً ، نحو يمين الله فليس بمحتاج إلى ذلك وما قاله زيد بن أسلم والحسن ، ومجاهد ، وابن جريج أنها أسماء للسور فليس بمناف للأول ، فكل سورة سميت بلفظ متلو منها ، فله (معنى) فِي السورة معلوم."
وعلى هذا القصائد والخطب المسماة بلفظ منه يفيد معنى فيها ، وكذلك ما قاله أبو عبيدة ، وروي أيضاً عن مجاهد ، وحكاه قطرب والأخفش.
أن هذه الفواتح دلائل على انتهاء السورة التي قبلها ، وافتتاح ما بعدها ، فإن ذلك يقتضي من حيث إنها لم تقع إلا فِي أوائل السور ولا يقتضي أن لا معنى لها سواه ، كما أن بسم الله فِي أوائل السور يقتضي ما قالوه ولا يوجب ذلك أن لا معنى سواه.