كيف لا وكونُ الكتاب هدىً لهم فنٌّ من فنون ما مُنِحوه واستقروا عليه من الهدى ، حسبما تحققْتَه ، لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح ، وقيل: هي واقعةٌ موقعَ الجواب عن سؤالٍ ربما ينشأ مما سبق ، كأنه قيل: ما للمنعوتين بما ذُكر من النعوت اختُصّوا بهداية ذلك الكتابِ العظيمِ الشأن ؟ وهل هم أحقاءُ بتلك الأثرَة ؟ فأجيب بأنهم بسبب اتصافِهم بذلك مالِكُونَ لزِمام أصلِ الهدى الجامعِ لفنونه ، المستتبِع للفوز والفلاح ، فأيُّ ريبٍ فِي استحقاقهم لما هو فَرعٌ من فروعه ؟
ولقد جار عن سَنن الصواب من قال فِي تقرير الجواب: بأن أولئك الموصوفين غيرُ مستبعَدٍ أن يفوزوا دون الناسِ بالهدى عاجلاً ، وبالفلاح آجلاً.
وأما على تقدير كونِهما مفصولَين عنه فهي فِي محل الرفع على أنها خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ الأول ، والثاني معطوفٌ عليه ، وهذه الجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الذهنُ من تخصيص ما ذُكر بالمتقين قبل بيانِ مبادىءِ استحقاقِهم لذلك ، كأنه قيل: ما بالُ المتقين مخصوصين به ؟ فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمُهم إجمالاً من نعوت الكمال ، وبيان ما يستدعيه من النتيجة ، أي الذين هذه شؤونُهم أحقاءُ بما هو أعظمُ من ذلك ، كقولك: أُحِبّ الأنصارَ الذين قارعوا دون رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلوا مُهجتَهم فِي سبيل الله ، أولئك سوادُ عيني ، وسُوَيْدَاءُ قلبي.