وقوله: {كلهم أجمعون} هو - عند سيبويه - تأكيد بعد تأكيد ، يتضمن الآخر ما تضمن الأول. وقال غيره: {كلهم} لو وقف عليه - لصلحت للاستيفاء ، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد ، وهذا كما يقول القائل: كل الناس يعرف كذا ، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر ، فلما قال: {أجمعون} رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد ، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال ابن المبرد: لو وقف على {كلهم} لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة ، فلما قال: {أجمعون} دل على أنهم سجدوا في موطن واحد.
قال القاضي أبو محمد: واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله: {أجمعون} حالاً. بمعنى مجتمعين ، يلزمه - على هذا - أن يكون أجمعين ، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف ، والقراءة بالرفع تأبى قوله.
وقوله: {إلا إبليس} قيل: إنه استثناء من الأول ، وقيل: إنه ليس من الأول. وهذا متركب على الخلاف في {إبليس} ، هل هو من الملائكة أم لا؟ والظاهر - من كثير من الأحاديث ومن هذه الآية - أنه من الملائكة وذلك أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود ، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك السجود.
وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن: أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ملكاً ؛ ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة ، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته: {كان من الجن} [الكهف: 50] وقالت الفرقة الأخرى: لا حجة في هذا لأن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها وقد قال تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} [الصافات: 158] .