{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) }
{إذ} نصب بإضمار فعل تقديره: اذكر إذ قال ربك ، و"البشر"هنا آدم ، وهو مأخوذ من البشرة ، وهي وجه الجلد ، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليه السلام:"وافقوا البشر"وقيل البشرة ما يلي اللحم ، ومنه قولهم في المثل: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر.
وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم ، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور - فهي مخلوقات لطاف - فأخبرهم: أنه لا يخلق جسماً حياً ذا بشرة وأنه يخلقه {من صلصال} .
قال القاضي أبو محمد:"والبشر"والبشارة أيضاً أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران.
و {سويته} معناه: كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب ، وقوله: {من روحي} إضافة خلق وملك إلى خالق مالك ، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس.
وقوله: {فقعوا} من وقع يقع ، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق ، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا ، لا أنه خضوع وتسليم ، وإشارة ، كما قال بعض الناس ، وشبهوه بقول الشاعر [أبي الأخزر الحماني] : [الطويل]
فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها... كما سجدت نصرانة لم تحنف
وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا.
وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس: أنه قال: خلق الله ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا ، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم ، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين.
قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس - من الأولين - يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يريد: في أنه بقي منهم.