ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا ، فإن شعورهم قد طالت جدّاً ، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيباً وكهولاً ، ولذلك قال الحق سبحانه: {لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف: 18] .
ونلحظ هنا ملحظاً يجب الانتباه إليه ، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: {أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار} [يونس: 31] .
بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة: {وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار} [السجدة: 9] .
ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين"الخَلْق"و"الجَعْل"، و"الملْك"، فالخلق قد عرفنا أمره ، وملكية كل شيء لله تعالى أمر مُلْزِمٌ في العقيدة ، ومعروف ، أما"الجَعْل"، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته .
فأنت تجعل الطين إبريقاً ، والقماس جلباباً ، هذا على المستوى البشري ، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولاً ، ثم جعل من المادة سمعاً وبصراً ، وزاد من بعد ذلك {أَمَّن يَمْلِكُ} ، فمن خَلَق هو الله تعالى ، ومن جَعَلَ هو الله تعالى ، ومن مَلَكَ هو الله تعالى .
وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك ، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه ، ويجعلها ، ثم يُملِّكها له .
أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خُلقت في الإنسان ، وجُعلت له للانتفاع بها ، ولكنها ستظل مِلْكاً لله ، يبقيها على حالها ، أو يخطفها أو يصيبها بآفة ، أو يعطلها .
إذن: فهي خُلقت لله ، وجُعلت من الله ، وتظل مملوكة لله ، ويُصيِّرها كيف يشاء ، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله .