{إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش} [الأعراف: 54] فلا نعيده هنا ، ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه فقال: {يُدَبّرُ الأمر مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وترك العاطف ، لأن جملة {يدبر} كالتفسير والتفصيل ، لما قبلها ، وقيل: هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى.
وقيل: مستأنفة جواب سؤال مقدّر ، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها ؛ لتقع على الوجه المقبول.
وقال مجاهد: يقضيه ويقدّره وحده ، وقيل: يبعث الأمر ، وقيل: ينزل الأمر ، وقيل: يأمر به ويمضيه ، والمعنى متقارب ، واشتقاقه من الدبر ، والأمر الشأن ، وهو أحوال ملكوت السماوات والأرض ، والعرش ، وسائر الخلق.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فردّ الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه ، لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب.
وقد تقدّم معنى الشفاعة في البقرة ، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى ، والإشارة بقوله: {ذلكم} إلى فاعل هذه الأشياء من الخلق والتدبير: أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة {الله رَبُّكُمُ} واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره: الاسم الشريف ، و {ربكم} : بدل منه ، أو بيان له ، أو خبر ثان ، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض} ثم أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره.
فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تنفع ولا تضر؟ والاستفهام في قوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} للإنكار ، والتوبيخ ، والتقريع ؛ لأن من له أدنى تذكر ، وأقلّ اعتبار ، يعلم بهذا ولا يخفى عليه.