ثم ذلك المشهد الحي ، الذي يعرض كأنه يقع ، وتشهده العيون ، وتتابعه المشاعر ، وتخفق معه القلوب ، يبدأ بتقرير القدرة المسيطرة المهيمنة على الحركة والسكون:
{هو الذي يسيركم في البر والبحر} ..
ذلك أن السورة كلها معرض لتقرير هذه القدرة التي تسيطر على أقدار الكون كله بلا شريك.
ثم ها نحن أولاء أمام المشهد القريب:
{حتى إذا كنتم في الفلك} ..
وها هي ذي الفلك تتحرك رخاء..
{وجرين بهم بريح طيبة} ..
وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها:
{وفرحوا بها} ..
وفي هذا الرخاء الآمن ، وفي هذا السرور الشامل ، تقع المفاجأة ، فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين:
{جاءتها ريح عاصف} ..
يا للهول!
{وجاءهم الموج من كل مكان} ..
وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها ، ولاطمها الموج وشالها وحطها ، ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم.. وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص:
{وظنوا أنهم أحيط بهم} ..
فلا مجال للنجاة..
عندئذ فقط ، وفي وسط هذا الهول المتلاطم ، تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب ، وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات ، وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة لله دون سواه:
{دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} !
وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج ، وتهدأ الأنفاس اللاهثة ، وتسكن القلوب الطائرة ، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ ، ويوقن الناس بالحياة ، وأرجلهم مستقرة على اليابسة. فماذا؟
{فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق!} ..
هكذا بغتة ومفاجأة!
إنه مشهد كامل ، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة.. مشهد حادث. ولكنه مشهد نفس ، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل. ومن ثم يجيء التعقيب تحذيراً للناس أجمعين:
{يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} ..