كذلك ينحسر معنى"العبادة"في الجاهلية ، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر. ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده ، فقد عبدوا الله وحده.. بينما كلمة العبادة ابتداء مشتقة من عبد. و"عبد"تفيد ابتداء"دان وخضع". وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها.
والجاهلية ليست فترة من الزمان ، ولا مرحلة من المراحل. إنما هي انحسار معنى الألوهية على هذا النحو ، معنى العبادة. هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك وهم يحسبون أنهم في دين الله! كما هو الحال اليوم في كل بلاد الأرض ، بما فيها البلاد التي يتسمى أهلها بأسماء المسلمين ، ويؤدون الشعائر لله ، بينما أربابهم غير الله ، لأن ربهم هو الذي يحكمهم بسلطانه وشريعته ، وهو الذي يدينون له ويخضعون لأمره ونهيه ، ويتبعون ما يشرعه لهم ، وبذلك يعبدونه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم"في حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الترمذي.
ولتوكيد معنى العبادة المقصود جاء في السورة ذاتها قوله تعالى: {قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً. قل: آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟}
وما نحن فيه اليوم لا يفترق في شيء عما كان عليه أهل الجاهلية هؤلاء الذين يناديهم الله بقوله:
{ذلكم الله ربكم فاعبدوه. أفلا تذكرون!} ..
اعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. فإن مرجعكم إليه ، وحسابكم عنده ، وهو يجزي المؤمنين والكافرين:
{إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً} ..
إليه وحده لا للشركاء والشفعاء.
وقد وعد فلا خلف ولا تخلف ، فالبعث هو تتمة الخلق:
{إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} ..
فالعدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة: