قد استقبل سفرًا بعيدًا وعدوًا كثيرًا، وذلك حين طابت الظلال وبردت المياه.
وقال االله جل ذكره يحكي قول المنافقين في هذه الغزوة: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا
فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) . فوضح بهذا كله أن
الحجة كانت زمن الربيع، وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والأرض، وأن إيجاد ذلك كان والأرض في زينتها والشمس في برج الحمل وهو
في شرقها، وإذا كان ذلك كذلك والقمر يومئذٍ كان في الميزان: إذ هو وقت
الحمل، وكانت الشمس في شرقها، والقمر في كماله، والأرض قد أخذت
زينتها، والليل والنهار في حال استوائهما عند استكمال الشمس البروج
الجنوبية وصعودها في الشمالية.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السَّمَاوَات"
والأرض"وجه آخر به يتم ما تقدم ذكره، وهو من النبأ العظيم، وذلك أنه"
خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وعلى الدين القيم، واستدار به
الدوائر كذلك إلى أن خلق الله آدم - عليه السَّلام - على الدين القيم، [وخلفه] على ذلك الأئمة
من بنيه على جميعهم السلام.
ثم اختلفوا كما قال الله جل ذكره: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا)
فخلف في ذلك الاختلاف أنهم كفار ومشركون عبدوا الشمس والقمر
والكواكب والأوثان والطواغيت وغير ذلك، ولما كان يومئذٍ أكمل الله الإسلام،
وأظهر دينه الحق، والزمان استدار كهيئته الأولى خلقة وشرعة، واستدار على قوم
ضالين إلى عباد مهتدين، أنزل الله - جلَّ جلالُه - ذلك اليوم قوله الحق جل قوله:(الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
والحمد لله رب العالمين، نسأل الله الرحيم إتمام نعمته وسبوغ منته إلى يوم الدين،
إنه أرحم الراحمين وخير القادرين.
(عبرة) :
قد تقدم قوله الحق: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ...)
وهذه الحياة الدنيا لا يحين حين انقراضها إلا بقيام الساعة.