قال الله - جلَّ جلالُه: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) وينقسم هذا اليوم الذي هو
الدنيا على دارين الحياة والموت: دار الدنيا ودار البرزخ، وهو مدة لبث الخلق في
القبور حال البلى، فمثل مدة إحدى الدارين نصف العام.
أعرب عن هذا قوله في كتابه العزيز:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)
وإنما يكون إنزاله الماء أول الخريف، فتأخذ الأرض زينتها في خامس
الشهور ويكمل ذلك منها في آخر السادس، ثم يأتيها من أمر الله ما يحطم نباتها
ويهشم زهرتها، ثم تصير في الثامن والتاسع كما قال الله - عز وجل:(هَشِيمًا تَذْرُوهُ
الرِّيَاحُ)هذه حال نباتها الكائن عن الماء من أب وقضب وزرع ومرعى وأزهار
وزينة المعبر عنها باسم الزخرف فذلك بالعبرة كمدة المؤمن في هذه الحياة، أعني:
من إنبات الله النبات إلى استوائه إلى تحطمه يكون وقت وفاته حين ضحك الأرض
وأخذها زينتها واستبشارها بما هي فيه فرحًا وشبعًا وكسوة وسرورًا.
ثم هو يستقبل إن كان مؤمنًا صالحًا موجودات الجنة من فاكهة على أنواعها
إلى آخر زمن الخريف، وذلك تمام يوم الدنيا كما يستقبل الكافر من فيح السعير
وورود النار وعذابها من غير كفاية ولا وقاية ما هو إليه صائر، هذا وهذا ما هو
موجود بعدما [أخذ] الله - جلَّ جلالُه - زينة الأرض، وقبضه وروح حياتها من هذه الجهة (فَأَمَّا
إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) . إلى قوله:
(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ... ) إلى آخر السورة. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 2/ 520 - 527} ...