(أَتَاهَا) من أمر الله - جلَّ جلالُه - ما غلبهم عليها وقطع بهم دونها، كذلك الدنيا
يأخذها أحسن ما كانت، وأطيبه دار عيشهم، ويجتمع أمرهم لا من حيث الدنيا من حيث الدين.
وقد قيل: إن الساعة تقوم يوم الجمعة في أول ساعة منها، أو فيما يقارب
ذلك، وفي آخر زمن الربيع عند استقبال زمن المصيف، والأرض قد أخذت
زينتها، والأشجار قد أظلت، والزمان في إقباله وفي مثل ذلك من الزمان
خلقها، وبذلك ترجع الحكمة في حكمه، هذا آخرها على أولها.
وقد جاء أن الله خلق الدنيا على أكمل هيئاتها كما تقدم، وقد أينعت ثمارها
وأورقت أشجارها واستوى نباتها، وإنما فصلها يومئذٍ من الجنة، فحكمها أن
تكون على ما بها كما خلق آدم - عليه السلام - كهيئته يوم توفاه كذلك وافاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وهو في السماء الدنيا ليلة أسري به كاملاً ستين ذراعًا في السماء كما يدخله
الجنة.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ الزمانَ قد استدارَ [كهيئته] يَوْمَ خَلَقَ الله السماواتِ"
والأرضَ"."
وكما خلق كل نفس منفوسة على الفطرة وعلى الإسلام كذلك خلق
الزمان مقبلاً، والشمس في برج الحمل أو ما يقارب ذلك، يدل على ما ذكرناه
قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته المشهورة التي قام بها في الناس الغد من يوم النحر
في حجة الوداع حجة الإسلام فقال وهو راكب على ناقته استنصت الناس،
فحمد الله وأثنى عليه، وخطبهم خطبة مُودِّع قال فيها:"إن الله حرم أموالكم ودماءكم"
وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا فليبلغ
الشاهد الغائب، فإني لا ألقاكم بعد عامي هذا"ثم قال - صلى الله عليه وسلم -:"أيها الناس، إنَّ
الزمانَ قد استدارَ [كهيئته] يَوْمَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ"."
فكانت حجته تلك زمن الربيع، دل على ذلك أنه رجع منها وبقي بالمدينة شهر
المحرم كله وصدرًا من ربيع الأول، وأخذ - صلى الله عليه وسلم - في التوجه إلى غزوة تبوك وقد دخل
زمن الصيف، ولذلك قال كعب بن مالك في قصته المشهورة: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -