(فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) من أمته (لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) أولئك (مِن الْحَقِّ) من قبلهم (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213) .
فهذا خطاب مستقبل متوجه - والله أعلم - إلى إخوان الأنبياء في هذه
الأمة الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم:"وددت أني قد رأيت إخواننا"قالوا له:
ألسنا بإخوانك؟ قال:"أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد"وهم سبعون
ألفًا وسبعمائة ألف مع كل ألف سبعون ألفًا وسبعمائة ألف، ذلك قوله:(فَهَدَى اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ)وهم ورثة الأنبياء عليهم
السلام.
ثم قال عز من قائل: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ (19) . والكلمة السابقة من ربك - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه هي
توفية آجالهم، واستنفاد أرزاقهم وأيامهم وأعمالهم إلى قيام الساعة، وإنهم
سيفترقون إلى فريق في الجنة وفريق في السعير، وتتخرج أعمالهم على ذلك كما
قال: (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) .
قوله عز وعلا: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) إلى قوله عز قوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24) .
ثم عرض بقوله الصدق: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) إلى ما يكون من فتح وفيح مثَّل الله جلَّ ذكره الدنيا كلها من أولها إلى آخرها بسنة واحدة منها، فيسر الله للمتفكرين
النظر، وقرب للمعتبرين المعتبر، أنزل من السماء ماءها، وأخرج به من الأرض نباتها
كله.
وعرض بقوله جل قوله: (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) إنه يخلقهم من نبات
الأرض ومن الأنعام، وبعضهم من بعض على سبيل التناسل والاسترزاق كالرضاعة
والكفالة والعطيات والهبات(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ
أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا)أي: على أخذ فوائدها من زروعها وثمارها