ويعني هذا القول بالرد على من قالوا ويقولون: إن المطلوب هو تشريعات تناسب العصر ، وكلما فسد العصر طالبوا بتشريعات جديدة ، وما داموا هم الذين يشرِّعون ، فكأنهم يرغبون في تعليم خالقهم كيف يكون الدين ، وفي هذا اجتراء وجهل بقدرة وحكمة مَنْ خلق الكون ، فأحكمه بنظام .
وقوله الحق: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فيه تنزيه له سبحانه ، فهو الخالق لكل شيء ، خالق الملك والملكوت ويعلم كل شيء ، وقضية شفاعة الأصنام إنما هي قضية مفتراة لا وجود لها ؛ لذلك فهي ليست في علم الله ، والحق سبحانه مُنزَّه أن توجد في ملكه قضية لها مدلول يقيني ولا يعلمها ، ومُنزَّه جل وعلا عن أن يُشرَك به ؛ لأن الشريك إنما يكون ليساعد من يشركه ، ونحن نرى على سبيل المثال صاحب مال يديره في تجارة ما ، ولكن ماله لا ينهض بكل مسئوليات التجارة ، فيبحث عن شريك له .
وسبحانه وتعالى قوي وقادر ، ولا يحتاج إلى أحد في ملكية الكون وإدارته ، ثم ماذا يفعل هؤلاء الشركاء المدَّعون كذباً على الله؟
إن الحق سبحانه يقول:
{قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: 42]
وهذا القول الحكيم ينبه المشركين إلى أنه بافتراض جدلي أن لهؤلاء الشركاء قوة وقدرة على التصرف ، فهم لن يفعلوا أي شيء إلا بابتغاء ذي العرش ، أي: بأمره سبحانه وتعالى . وهم حين ظنوا خطأ أن لكل فلك من الأفلاك سيطرة على مجال في الوجود ، وأن النجوم لها سيطرة على الوجود ، وأن كل برج من الأبراج له سيطرة على الوجود ، فلا بد في النهاية من الاستئذان من مالك الملك والملكوت .