وقوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه ، أو من كلمات الاستهزاء والذم فاعترافه بها ، وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك وهو كفر أيضا ، فهذا كافر بلا خلاف ، قال تعالى في مثله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ 9: 74 [1] قال أهل التفسير: هي قوله: إن كان ما يقول محمد حق لنحن شر من الحمير. وقيل بل قول بعضهم: ما مثلنا أو مثل محمد إلا قول القائل: سمن كلبك يأكلك لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ 63: 8 [2] وقد قيل: إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به فإن حكمه حكم الزنديق يقتل ، ولأنه غير دينه ، وقال صلّى الله عليه وسلّم من غير دينه فاضربوا عنقه ، ولأن حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحرمة مزية على أمته ، وساب الحر من أمته يحد ، فكانت العقوبة لمن سبه صلّى الله عليه وسلّم القتل ، لعظيم قدره ، وشفوف منزلته على غيره.
فإن قلت: فلم لم يقتل النبي صلّى الله عليه وسلّم اليهودي الّذي قال له: السام عليكم ؟
وهذا دعاء عليه ، ولا قتل الآخر الّذي قال له: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، وقد تأذى النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك ؟ وقال: قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر الأحيان ؟
فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان أول الإسلام يستألف عليه الناس ، ويستميل قلوبهم إليه ويحبب إليهم الإيمان ، ويزينه في قلوبهم ، ويدارئهم ويقول لأصحابه: إنما بعثتم مبشرين ولم تبعثوا منفرين ، ويقول: يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا ويقول: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وكان صلّى الله عليه وسلّم يداري الكفار والمنافقين ، ويجمل صحبتهم ، ويفضي عنهم ويحتمل من أذاهم ، ويصبر على جفائهم ، ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم عليه وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان ، وبذلك أمره الله تعالى ، فقال: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 5: 13 [3] قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ 41: 34
[1] التوبة: 74.
[2] المنافقون: 8.
[3] المائدة: 13.