قال صاحب الكشاف: «وفي إجابة الأنبياء - عليهم السلام - على من نسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم - في إجابتهم هذه أدب حسن، وخلق عظيم، وحكاية الله - عز وجل - ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم» .
ونلمس من خلال التعبير القرآني أن قوم هود قد تعجبوا من اختصاص هود بالرسالة كما تعجب قوم نوح من قبلهم من ذلك، فأخذ هود - عليه السلام - في إزالة هذا العجب من نفوسهم، فقال:
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ أي: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم تعرفون صدقه ونسبه وحسبه، إن ما عجبتم له ليس موقع عجب، بل هو عين الحكمة فقد اقتضت رحمة الله أن يرسل لعباده من بينهم من يرشدهم إلى الطريق القويم واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
ثم أخذ في تذكيرهم بواقعهم الذي يعيشون فيه لكي يحملهم على شكر الله فقال:
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي: اذكروا بتأمل واعتبار فضل الله عليكم ونعمه حيث جعلكم مستخلفين في الأرض من بعد قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان لكفرهم وجحودهم.
قال الآلوسي ما ملخصه: و «إذ» منصوب على المفعولية لقوله: وَاذْكُرُوا أي: اذكروا هذا الوقت المشتمل على النعم الجسام. وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه مع أنه المقصود بالذات للمبالغة في إيجاب ذكره، ولأنه إذا استحضر الوقت كان هو حاضرا بتفاصيله.
وهو معطوف على مقدر كأنه قيل: لا تعجبوا وتدبروا في أمركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح».
ثم ذكرهم بنعمة ثانية فقال: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي: زادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة، أو زادكم بسطة في قوة أبدانكم وضخامة أجسامكم، ومن حق هذا الاستخلاف وتلك القوة، أن تقابلا بالشكر لله رب العالمين.