68 -ثم بين وظيفة الرسول وحاله عليه السلام فيما بلغ، فقال: {أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي} ؛ أي: أؤدي إليكم ما أرسلني به ربي إليكم من أوامره ونواهيه، وشرائعه وتكاليفه {وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ} فيما آمركم به من عبادة الله عز وجل، وترك عبادة ما سواه أَمِينٌ؛ أي: موثوق فيما أبلغه عن ربي، فلا أكذب عليه في وحيه إلي، والأمين الثقة على ما ائتمن عليه.
وهذا رد لقولهم: {وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ} فكأن هودا قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا، واعترفتم لي بكوني أمينا، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟ وفي هذا دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها، وإنما أتى هود بالجملة الاسمية في قوله: {وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ} ؛ ونوح بالفعلية حيث قال: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ} ؛ لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح عليه السلام يكرر في دعائهم ليلا ونهارا من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعل، وأما هود فلم يكن كذلك، بل كان يدعوهم وقتا دون وقت، فلذا عبر بالاسمية.
وفي إجابة هؤلاء الأنبياء لأقوامهم بتلك الإجابة الصادرة عن الحكمة والإغضاء عما قالوا من وصفهم إياهم بالسفاهة والضلالة أدب حسن، وخلق عظيم، وتعليم لعباده كيف يقابلون السفهاء، وكيف يغضون عن قالة السوء التي تصدر عنهم.