وكل ما ذكرته في باب الخوف من أنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله جل جلاله إذا كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعاً ولا ضراً، فمن رجا ممن لا يملك ما لا يملك فهو من الجاهلين، وإذا علق رجاءه به جل ثناؤه فينبغي أن يسأله ما يحتاج إليه صغيراً وكبيراً، لأن الكل بيده لا قاضي للحاجات غيره، وسؤاله إنما يكون بالدعاء على ما سنبينه.
قال الله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ولم يزل الدعاء دأب الأنبياء الذين خلفهم أئمة وأمر أن يقتدي بهم فهداهم ذكر الله عز وجل: إن أبانا آدم صلوات الله عليه لما ابتلي بالخطيئة، فرغ إلى الدعاء، وأمنا عليهم السلام معه كذلك فقالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
وإن نوحاً - صلى الله عليه وسلّم - لما طال عليه الأذى من قومه لجأ إلى الدعاء فقال: {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ولعل بدله كان قوله: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} .
وقوله: {لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} أو غير ذلك مما دعاه ولم يحكه عنه.
وإن أيوب - صلى الله عليه وسلّم - لما ألح عليه البلاء دعاه فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فاستجاب له ربه، فكشف الضر عنه وأتاه أهله ومثلهم ومعهم.
وإن ذا النون نادى في الظلمات: {أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فاستجاب له ونجاه من الغم.
وإن زكريا - صلى الله عليه وسلّم - دعاه لما تمنى أن يكون له ابن يرثه فقال: {رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} فاستجاب له بيحيى.