وقلنا من قبل: من له أب لا يحمل هماً للحياة ، فإذا كان الذي له أب لا يحمل هماً لمطلوبات الحياة فمن له رب عليه أن يستحي ويعرف أن ربه سيوفر له الخير ؛ لذلك يوضح سبحانه: إذا أعجزتكم الأسباب فاذكروا أن لكم رباً . وقد طلب منكم أن تدعوه ، ولا تظن أن حظك من الدعاء أن تجاب إلى ما طلبت ، بل ليكن حظك من الدعاء إظهار التذلل والخشوع لله ؛ فقد يكون ما حدث لك نتيجة أنك قد اغتررت بنفسك . وقد سبق"قارون"إلى الغرور ، فماذا حدث له؟ . . لقد هزمه الحق وأنزل به شر العقاب . وقد يجعل الحق من تأبّى الأسباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى الله ، لكن لفتتك لله لا يصح أن تكون بغرض أن يقضي حاجتك ، بل اجعل أساس لفتتك لله أن تظهر العجز أمامه والخضوع والخشوع ؛ ليعيط ما لم يكن في بالك حين تدعو . {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ...} [الأعراف: 55]
خفية لها معنى وهو أن يكون الدعاء دعاءً مستوراً مختبئاً ، ولها معنى آخر وهو أن تكون من الخوف أي أدعو ربكم خوفاً من متعلقات صفات الجلال كالجبار والقهار أو خوفا من أن يردها الله عليك فلا يقبلها منك .
ادعوا ربكم تضرعاً بذلة وانكسار وخضوع خفية بينك وبين ربك ، فلا تجهر بالدعاء وتجعله عملك الوحيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حينما كان في غزوة غزاها فنزل أصحابه وادياً ، فلما نزلوا الوادي صاحوا بالتهليل والتكبير ، فقال:"أيها الناس أربعوا على أنفسكم ، إنكم ليس تدعون أصمَّ ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم".
والدعاء إلى الله خُفية يبتعد بك عن الرياء وهو أستر لك في مطلوباتك من ربك لأنه حين يوضح لك: ادعني في سرّك لأنني سميع عليم ؛ فاعلم كل ما ظهر منك وما بطن ، ادع بالخضوع والخشوع والتذلل لتنكسر فيك شهوة الكبرياء ، وشهوة الغطرسة ، وشهوة الجبروت .
وإذا ما نظرت إلى هذا تجد أن كثيراً من العلماء يقولون: