وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي خُلُوصِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ الَّتِي كَانُوا حَرَّمُوا مَا فِي بُطُونِهَا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، لِذُكُورِهِمْ دُونَ إِنَاثِهِمْ، كَمَا فُعِلَ ذَلِكَ بِالرَّاوِيَةِ وَالنَّسَّابَةِ وَالْعَلَّامَةِ، إِذَا أُرِيدَ بِهَا الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ خَالِصَةُ فُلَانٍ وَخُلْصَانُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِالْأَزْوَاجِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا النِّسَاءَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِالْأَزْوَاجِ الْبَنَاتِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِمَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ، يَعْنِي أَنْعَامَهُمْ: هَذَا مُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا. وَالْأَزْوَاجُ إِنَّمَا هِيَ نِسَاؤُهُمْ فِي كَلَامِهِمْ، وَهُنَّ لَا شَكَّ بَنَاتُ مَنْ هُنَّ أَوْلَادُهُ، وَحَلَائِلُ مَنْ هُنَّ أَزْوَاجُهُ.
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ تَأْنِيثَ (الْخَالِصَةِ) كَانَ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ
بِالْخُلُوصَةِ لِلذُّكُورِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِتَأْنِيثِ الْأَنْعَامِ لَقِيلَ: وَمُحَرَّمَةٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ التَّأْنِيثُ فِي الْخَالِصَةِ لِمَا ذَكَرْتُ، ثُمَّ لَمْ يَقْصِدَ فِي الْمُحَرَّمِ مَا قَصَدَ فِي الْخَالِصَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، رَجَعَ فِيهَا إِلَى تَذْكِيرِ (مَا) ، وَاسْتِعْمَالِ مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ صِفَتِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ