(فصل: في بعض وجوه التحريم)
قال الجاحظ:
وقد أنبأك كما ترى عن التّحريم أنّه يكون من وجوه: فمنها ما يكون كالكذب والظلم والغشم والغدر وهذه أمور لا تحلّ على وجه من الوجوه. ومنها ما يحرم في العقل من ذبح الإنسان الطّفل. وجعل في العقول التبيّن بأنّ خالق الحيوان أو المالك له، والقادر على تعويضه، يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله.
وهذا ممّا يحرم بعينه لا أنه حرّم لعلة قد يجوز دفعها. والظلم نفسه هو الحرام، ولم يحرّم لعلة غير نفسه.
وباب آخر، وهو ما جاء من طريق التعبّد، وما يعرف بالجملة، ويعرف بالتفسير.
ومنه ما يكون عقابا، ويكون مع أنه عقاب امتحانا واختبارا، كنحو ما ذكر من قوله: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ}
وكنحو أصحاب البقرة الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة فإنّي أريد أن أضرب بها القتيل ثم أحييهما جميعا. ولو اعترضوا من جميع البقر بقرة فذبحوها، كانوا غير مخالفين. فلمّا ذهبوا مذهب التشكك والتعلّل، ثم التعرّض، والتعنّت في طريق التعنّت، صار ذلك سبب تغليظ الفرض.
وقد قال الله عزّ وجلّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}
وقال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
ومثله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا}
يجوز أن يكون إنّما يريدون صرف العذاب، ويجوز أن يكون إنما يريدون تخفيف الفرائض. وقد يجوز أن يكون على قول من قال: لا أستطيع النظر إلى فلان، على معنى الاستقبال.
وباب آخر من التّحريم، وهو قوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...