و {أن} من قوله {أن تقولوا} في موضع نصب، والعامل فيه {أنزلناه} والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود، وقيل العامل في {أن} قوله {واتقوا} فكأنه قال واتقوا أن تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم فيه، ويكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك {لعلكم ترحمون} وفي التأويل الأول يتسق نظم الآية، و"الطائفتان"اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين والدراسة القراءة والتعلم بها، و {إن} في قوله {وإن كنا} مخففة من الثقيلة، واللام في قوله {لغافلين} لام توكيد، هذا مذهب البصريين وحكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة {وإن كلاً} وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب الكوفيين ف {إن} في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال وما كنا عن دراستهم إلا غافلين.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال: وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}
وقال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {أن تقولوا}
سبب نزولها: أن كفار مكة قالوا: قاتل الله اليهود والنصارى، كيف كذَّبوا أنبيائهم؛ فوالله لو جاءنا نذير وكتاب، لكنَّا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
قال الفراء:"أن"في موضع نصب في مكانين.
أحدهما: أنزلناه لئلا تقولوا.
والآخر: من قوله: واتقوا أن تقولوا وذكر الزجاج عن البصريين أن معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا؛ ولا يجيزون إضمار"لا".