قوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) .
ذكر هذا - واللَّه أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل اللَّه لهم ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟ وكم خرج؟ وأي قدر ثبت؟ ما قدروا على ذلك؛ كقوله: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) ، ويخرج من الورق والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتًا. ويخرج - أيضًا - كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ أنشأ لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثًا؛ فله الحكم والتدبير في الحل والحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل؛ (هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) ، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - واللَّه أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) ، وقوله: (هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ) ، (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) ، وقوله - تعالى: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ) ، وغير ذلك من الآيات التي كان فيها ذكر تحكمهم على اللَّه، وإشراك أنفسهم في حكمه.
ثم اختلف في قوله: (مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) :
قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، (وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) : ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض.