[من روائع الأبحاث]
قال الراغب الأصفهاني:
(الباب الثلاثون في ارتداد الناس من طريق الخير والشر للإنسان)
فيما يتحراه من الخير والشر حالتان: حالة يتمكن فيها من الارتداد على ادباره فيما يتعاطاه أن خيراً وان شراً وذلك قبل أن يمعن في سيره ويتناهى في ممره. وحالة يتعذر عليه الارتداد على ادباره بل لا يكون له سبيل إلى الرجوع وذلك إذا أمعن في سيره وتناهى في ممره.
وذلك أن كل من كان متعاطياً لفعل خير فتكاسل عنه، ومتعاطياً لشرٍّ فلم يقلع عنه، اورثه كسله ضيق صدر بتحري الخير كما قال الله تعالى: {وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} .
وانشراح صدره بفعل الشر كما قال تعالى (فمن زُين له سوءُ عمله فرآه حسناً) .
فإن استمر على ذلك ولم يقلع، اورثه ذلك رَيْنا على قلبه كما قال الله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} . فإن تمادى في ذلك واستمر اورثه ذلك غشاوة، كما قال تعالى: {فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} فإن ازداد اورثه ذلك طبعاً وختماً، كما قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} . وقوله: (أَفرأيت من اتخذ آلهه هواه واضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون) . فإن ازداد صار ذلك قُفلاً كما قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} .
ثم إذا تمادى صار قلبه موتاً قلما ترجى له حياة فلا تنفعه الآيات والنذر كما قال الله تعالى: (إنك لا تُسمع الموتى ولا تسمع لصم الدعاء إذا ما ينذرون) .
ومن حيث إن الله تعالى علم من أحوال من بلغ هذا المبلغ أنه لا يتوب ولا يؤوب قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ} .
فلم يرد تعالى أنهم إذا تابوا لم تقبل توبتهم بل نبه بذلك على أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم فدل منتهى الفعل على مبدأه وهذا من كلامهم كقول الشاعر:"ولا يرى الضبُّ بها ينجحر"