[من روائع الأبحاث]
(فصل: في رد شبه بعض الملحدين)
قال الطوفي:
(القسم الأول من شرط الصدق تصديق النصراني لآيات قرآنية)
قال:"فلنورد أقاويل هذا الإنسان من صدق وغيره."
فقسم الصدق. قوله في سورة الصمد: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .
قلت: لا شك أن هذا الكلام حق في نفسه، لكن إخبار هذا الصنف بصدق هذا الكلام عنده، إما جهل بحقيقة التوحيد، أو ستر لعوار دينه الثالوثي، وتحلية لجيده العاطل منه به، وإلا فأين قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) من قولهم:"الآب، والابن، والروح القدس، إله واحد"ودعواهم التوحيد مع هذا التصريح: كلام في الريح، لا يعقل ولا يتحصل، كما قد حققت بطلانه
في"التعليق على الإنجيل".
قال: وقوله في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) ، وفي سورة آل عمران: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) الآية.
وقوله في سورة الأنعام: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) - يعني كلمات الله، وهي التوراة والإنجيل - وفي سورة الحجر: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
والذكر: هو التوراة والإنجيل. ويشهد لذلك قوله في سورة الأنبياء: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .
فبين بهذا: أن كلمات الله غير مبدلة.
قلت: هذه الآيات كلها حق وصدق. ولكن أخطأ هذا الخصم إيرادها في مواضع:
منها: أنه حصر ما جاء به محمد من الصدق فيها، والقرآن مملوء من الحكم والأخبار التي يعلم بالضرورة صدقها.
وإنما هذا رجل معاند، يريد أن ينفي التهمة عن نفسه، بإيهام العدل في إيراد ما يعتقده صدقا وكذبا.
وعناده: يأبى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات، حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد عليها وتنفعه في عناده وشرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ
منه الكتاب. ويأبى اللّه إلا ظهور الحق واستعلانه وخمول الباطل وإذعانه.
ومنها: قوله: (لا مبدل لكلماته) ووهم منها في موضعين.
أحدهما: أنه ذكر الكلمات المضافة إلى الضمير، فاحتاج أن يفسره بالله تعالى، وقد كان يستغنى عن ذلك بإيراد الآية في أول السورة المذكورة، وهي قوله: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)